الإحتراق الوظيفي:أسبابه وسبل تجنّبه

الإحتراق الوظيفي:أسبابه وسبل تجنّبه

يدقّ قلبي، يتسارع نبضي وأحسّ بالفزع…

 خلال ساعات العمل الأخيرة من ذلك اليوم، نظرت إلى أجندتي: أسبوع واحد فقط يفصلني عن اليوم المنتظر لانعقاد الحدث الأكبر في حياتي المهنيّة، الذي يجمع مئات الصحفيّين العالميّين والمحليّين، وأصحاب الشركات، والمدراء الكبار في الشركة التي أعمل فيها. أسبوع فقط لتتويج العمل المضني والطويل  لأشهر بدون يوم عطلة واحد. أسبوع فقط لأنال الترقية التي خلتها مستحيلة في سنتي الأولى في الشركة.

أسبوع واحد فقط…

أنظر إلى الأجندة وإذ تصبح الصفحة ضبابيّة. غشاء أمام عينيّ تبهت له الكلمات والخطوط.

يدور رأسي. صداع غريب من نوعه. تتسارع دقّات قلبي. يتقطّع نَفَسي. أحسّ بقلبي يخترق صدري ليقفز منه خارجاً. أهلع للفكرة. ينقطع نَفَسي أكثر. أتعرّق. ويصبح كلّ ما حولي ضبابياً. -. “ما الذي يحدث؟” أسأل نفسي هالعة. أجيب على نفسي بفكرة واحدة مخيفة: “إنّي أموت… أنا أموت الآن.”

لم أمُت حقيقةً! بل ما اختبرته في تلك اللحظات للمرة الأولى في حياتي كانت نوبة هلع أو قلق عانيت منها بسبب الإحتراق الوظيفيّ أي ما يُعرف باللغة الإنكليزيّة بـِ Burnout .

كان المصطلح بالنسبة لي وقتها أغرب من الحالة نفسها التي مررت بها. وحتى ساعتها كنت أظنّ بأني أعاني من مشكلة بيولوجيّة إذ شكوت بعدها من أوجاع مختلفة في جسمي ومن اضطرابات في المعدة، ووجع رأس مستديم وزيادة وزن مفاجئة، وكآبة نفسيّة لم أعرفها من قبل.

“لا يا عزيزتي!”، قالت لي المعالجة النفسيّة بعطف أموميّ. “ما تعانين منه يبدأ وينتهي في ما بين أفكارك، في رأسك. حان الوقت أن تقومي بتغييرات جذريّة وبأن تنظري إلى روتينك بعين جديدة.”

 

أظهرت الدراسات بأن موظّفاً من أصل أربعة في العالم يصابون بالإحتراق الوظيفيّ، الأمر الذي دفع بالعديد من الهيئات المختصّة في دولٍ كفرنسا مثلاً، إلى أن يجبروا الشركات على توظيف طبيب نفسيّ يلجأ إليه الموظّفون في حال معاناتهم من هذه الحالة.

يوصف الإحتراق الوظيفيّ بأنه حالة من الإنهاك العاطفي والفكري والجسدي بسبب الضغط المستمرّ والمتراكم في العمل، دون القدرة على التنفيس بطريقة صحيّة.

ما هي إشارات الإحتراق الوظيفي؟

الإنهاك: الإنهاك، أي الإحساس الدائم بالتعب، هو المؤشر الفاضح بأن الضغط قد فاق قدرتك على تحمّله. والإنهاك يمكن أن يكون عاطفيّاً، معنويّاً وجسديّاَ. وكأنك استنفدت طاقتك الكاملة.

انعدام الحماسعندما يصبح من الصعب النهوض صباحاً من السرير وعندما ينعدم الحماس للقيام بعملك، عندها يمكن أن تكوني قد بلغت مرحلة الإحتراق الوظيفي.

الإحباط، والمشاعر السلبيةتحسّين بأن ما تقومين به لا قيمة له بعد اليوم، أفكارك مشوّشة ولا تقدرين على إتخاذ القرارات الصائبة، ويصبغ التشاؤم يومك وأفعالك.

مشاكل إدراكيّةإن الضغط الفائق في العمل يؤثر على انتباهك وقدرتك على التركيز. وعندما نكون تحت الضغط، تنحدّ قدرتنا إلى رؤية الأمر السلبي فقط. الأمر الذي يجعلك شخصاً ينسى بسهولة العديد من الأمور على الرغم من بساطتها.

تراجع الإنتاجيّة في العمل وعدم القدرة على الفصل ما بين مشاكل البيت والعملذلك حين تقضين ساعات لإنهاء أمر ما في حين أنّك كنت تنهينه سابقاً بربع ساعة. أيضاً، تفتعلين المشاكل الدائمة مع الزملاء، أو حين تنقطعين عن التواصل مع الزملاء وأفراد عائلتك. أنت هنا جسديّاً، ولكن فكرك في مكان ثانٍ.

إهمال النفس والمظهرقبلاً، كنت تهندمين نفسك جيداً للذهاب إلى العمل، أما في الآونة الأخيرة فإنك تهملين نفسك ولا تجدين أي محفّز لكي تغيّري مظهرك وتلبسي ثياباً جديدة…

المشاكل الصحيّةمعاناتك من هذه المشاكل، تعني بأنّك بلغت مرحلة متقدّمة من الإحتراق الوظيفي: الأرق، الكآبة، القلق، تعاطي الأدوية المهدّئة للأعصاب أو المخدرات، التدخين المتواصل، شرب الكحول المفرط، أعراض قلب، كوليستيرول في الدم، سكّري، سكتة قلبيّة، قلّة المناعة كالإصابة بالأمراض بشكل متكرّر مرات عدّة في الشهر أو في السنة.

ما هو الحلّ إذاً لتفادي الإحتراق الوظيفي؟
  • أخذ عدد من الاستراحات من العمل وممارسة النشاطات التي تستمتعون بالقيام بها، بما في ذلك النشاطات الجسدية (دروس في الرقص، اليوغا، السير، إلخ).

  • إيجاد الطبيب النفسي الذي يستطيع أن يدعمك نفسياً ويعطيك وجهة نظر بعيداً عن أفراد العائلة والأصدقاء.
  • إستشارة الطبيب للمعالجة من أي من المشاكل الصحيّة التي تعانين منها نتيجة الإحتراق الوظيفيّ.
  • النوم جيّداً وتنظيم الوقت ما بين العمل والبيت، وعدم جلب العمل إلى البيت!
  • التحدث إلى المريض عن الضغوطات التي تعانين منها في العمل. وفي حال لم يخفّ الضغط في العمل بعد مصارحة مديرك بحالتك، فهذا يعني أنه ينبغي عليك بأن تفكّري بتغيير الوظيفة.

يتسلّل الاحتراق الوظيفي إليك على مرور الوقت ولا يحصل وليدة اللحظة. إصغي إلى فكرك وجسمك وتنبّهي لأي إشارات تحذير. قومي بتقييم مستوى التوتر الذي تختبرينه في حياتك اليومية، واسعي لإيجاد طرق للتخفيف منه. وتذكري أنه يمكن لبعض الخطوات السهلة أن تساعدك لأنك لن تشفي من الاحتراق الوظيفي بغضون أيام، بل لا بدّ من أن تجري تغييرات على صعيد نمط حياتك ككلّ حتى تتمكنين من التغلّب عليه.

Leave a Reply

Your email address will not be published.